قالت مجلة "نيوزويك" إن إيران تستغل الصراع المستمر منذ ستة أشهر لتحقيق أهدافها العسكرية في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن فرض نفوذها على مضيق هرمز، وليس تصنيع الأسلحة النووية بعد أهمّ أهدافها، بعد أن استخدمته كأداةً أكثر فاعليةً.

 

وأوضحت أنه قد يتم إضفاء الطابع الرسمي على هذا الوضع قريبًا وسط تقارير عن اتفاق وشيك بين إيران وسلطنة عمان، عبر  إنشاء نظام رسوم خدمات يتم تحصيلها من قبل كلا البلدين الواقعين على طول ممر تجارة النفط والغاز الحيوي كمفتاح لفتح تسوية سلمية.

 

ونقلت عن جواد حيرانيا، مدير دراسات الخليج الفارسي في مركز البحوث العلمية ودراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية في طهران: "إن أهم هدف لإيران هو تحويل إنجازاتها العسكرية وضغوط الحرب إلى ميزة دائمة ومعترف بها استراتيجيًا، ألا وهي السيطرة على مضيق هرمز".

 

وأضاف: "تسعى طهران إلى فرض سيطرتها ونفوذها على هذا الممر المائي الحيوي على العالم، وبخاصة على الولايات المتحدة، كحقيقة لا يمكن إنكارها ولا رجعة فيها".

 

وبحسب حيرانيا، فإن اتفاقية مضيق هرمز يمكن أن تدعم "معادلة التكلفة والفائدة فيما يتعلق بالقضية النووية"، مما يوفر لإيران بوليصة تأمين ضد التدخل الأمريكي في المستقبل إذا وافقت على تخفيف اليورانيوم عالي التخصيب حتى لو فشلت واشنطن في نهاية المطاف في الوفاء بجانبها من الاتفاق.

 

لكن التقرير حذر من أن وراء هذه المناورة تكمن لعبة قوة أكبر قد تقلب إلى الأبد نظامًا إقليميًا يعاني أصلاً من حالة عدم استقرار بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من الأزمة منذ اندلاع الحرب في غزة.

 

وقال حيرانيا: "من وجهة نظر طهران، فإن الاعتراف بمكانة إيران كلاعب إقليمي قوي له أهمية قصوى، لأن هذا الاعتراف يمهد الطريق لتحقيق أهدافها الرئيسة، وهي توطيد السيطرة على مضيق هرمز والحصول على ضمانات أمنية".

 

وفقًا له، "تسعى إيران إلى ترسيخ مكانتها في النظام الإقليمي الناشئ كقوة مؤثرة، وليس مجرد لاعب سلبي تحت الضغط".

 

النظام الجديد في الشرق الأوسط


وفقًا للتقرير، فإنه عندما هاجمت حركة حماس الفلسطينية إسرائيل في أكتوبر 2023، بدا أن إيران فوجئت بالهجوم. لكن تحالف محور المقاومة في طهران تحرك بسرعة. انضم حزب الله اللبناني إلى الصراع في اليوم التالي لهجوم حماس المفاجئ، بينما حذا حذوه سريعًا الحوثيون في اليمن، وقوات الحشد الشعبي المعروفة باسم المقاومة الإسلامية في العراق.

 

وواجهت هذه المجموعات ضربات قاسية على شكل غارات إسرائيلية وأمريكية استهدفت المقاتلين وكبار القادة ومخازن الأسلحة. وعندما امتدت الحرب مباشرة إلى إيران لمدة 12 يومًا في يونيو الماضي، بدا محور المقاومة غارقًا في حالة من الفوضى لدرجة حالت دون قدرته على شنّ ردّ شامل.

 

لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي اندلعت في فبراير أسفرت عن نتيجة مختلفة.

 

قال حيرانيا: "على الرغم من ضعف محور المقاومة في الهجمات الأخيرة، فإن إيران، بدلاً من التخلي عنه، تسعى إلى إحيائه من خلال تجديد الاستثمارات وإجراء تغييرات تكتيكية. ويساهم أعضاء هذا المحور، من خلال فتح جبهات جديدة (مثل عمليات الحوثيين والحشد الشعبي الأخيرة ضد السعودية ) ومن خلال تنسيق أكبر، في زيادة الضغط على الخصوم وتعزيز نفوذ إيران".

 

وأضاف: "في استراتيجيتها الجديدة، أعلنت إيران أن الهجمات على أي عضو في هذا المحور تعادل هجومًا على بنيتها التحتية الحيوية، والتزمت بالرد".

 

وبحسب التقرير، فإن إيران ليست الدولة الوحيدة في المنطقة التي تستثمر في الشراكات. لكن الاضطرابات الناجمة عن سنوات من الأزمات، والحرب الدائرة حاليًا، أدت إلى تحولات جديدة، وعجّلت بالتغيرات القائمة في مناطق التوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

 

المملكة العربية السعودية، التي تواجه تهديدات من جبهات متعددة، عززت تحالفها مع مجموعة من الدول الإسلامية، تضم أيضًا مصر وتركيا وباكستان ، والتي وقعت معها المملكة اتفاقية دفاعية رسمية في سبتمبر الماضي. في المقابل، سعت الإمارات العربية المتحدة إلى توثيق تعاونها مع إسرائيل تماشيًا مع الاتفاقيات الإبراهيمية، وتعزيز علاقاتها مع الهند، بما في ذلك علاقات استراتيجية مع اليونان وقبرص، وغيرها.

 

وأدى التباين بين السعودية والإمارات إلى توترات في العلاقة التعاونية بين البلدين الجارين في مجلس التعاون الخليجي، واللذين يجدان نفسيهما على خلاف بسبب الصراعات التي تقسم ليبيا والسودان واليمن.

 

بينما تحاول الولايات المتحدة سد الفجوة من خلال تعزيز دور تركيا والضغط على المملكة العربية السعودية لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإن إيران، "باستخدام أدواتها مثل مضيق هرمز وشبكة الجماعات التابعة لها، تعمل على تغيير ميزان القوى لصالحها، على الرغم من أن الدول العربية في الخليج العربي وإسرائيل تسعى أيضًا إلى الحفاظ على مصالحها ونفوذها، وسيكون النظام النهائي نتيجة لهذه المنافسة المعقدة"، وفقًا لـ حيرانيا.

 

العواقب على أمريكا


بدأت الصراعات الإقليمية تُلقي بظلالها الخطيرة على الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط. فإلى جانب استنزاف الذخائر الحيوية ، بما فيها الصواريخ الاعتراضية المكلفة بالدفاع ضد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، بدأ شركاء واشنطن يتساءلون عن مدى وفعالية العلاقات الأمنية.

 

وقالت آية إبراهيم، وهي زميلة غير مقيمة في مركز السياسة العالمية للطاقة بجامعة كولومبيا والتي عملت سابقًا في وزارة الخارجية والبيت الأبيض: "أعتقد أن هذه الحرب قد غيرت بشكل جذري حسابات شركائنا في الخليج حول الولايات المتحدة والمظلة الأمنية التي توفرها، ونوع الفهم الضمني الذي لدينا حول ذلك، والنفط في المنطقة".

 

وفي السياق ذاته، قال راندي مانر، وهو لواء متقاعد في سلاح الجو ونائب الرئيس السابق بالنيابة لهيئة الأركان المشتركة للحرس الوطني، إن الصراع "كان له تأثير سلبي كبير وملموس" على مصالح الولايات المتحدة يمتد إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.

 

ومع قيام الولايات المتحدة بإعادة تموضع أصولها من مناطق استراتيجية أخرى، مثل تايوان، الواقعة على الحدود مع الصين، وأوكرانيا، الغارقة في حرب مع روسيا على أعتاب الناتو، حذر قائلاً: "إن العالم أصبح مكانًا أكثر خطورة بكثير" مما كان عليه قبل الحرب ضد إيران.

 

كما رسم المتحدث السابق باسم البنتاجون، كريس ميجر، صورة قاتمة للعلاقات الأمريكية حول العالم، حيث تستحوذ الحرب ضد إيران- والتدخل في فنزويلا الذي سبقها- على موارد واهتمام قيّمين.

 

قال ميجر: "تواصل الصين إجراء مناورات عسكرية ضخمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مما يهدد تايوان. إنهم يرون ما نفعله في أماكن أخرى من العالم، ويعتبرون ذلك فرصة سانحة. وتواصل روسيا حربها في أوكرانيا لأنها تعلم أننا منشغلون في مناطق أخرى من العالم".

 

وأضاف: "لذا فإن هذه التعزيزات للقوات التي شهدناها على مدار فترة الإدارة في أماكن مثل أمريكا الجنوبية والآن الشرق الأوسط تُظهر فقط أن هذه الإدارة مشتتة وقد صرفت نظرها عن ما يهم بالفعل فيما يتعلق بسلامة وأمن الولايات المتحدة الأمريكية".

 

نفوذ الصين في الشرق الأوسط

 

عندما يتعلق الأمر بالصين، فإن نفوذ المنافس الرئيس للولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يتسارع أيضًا كواحد من العديد من نتائج الصراع، حيث تروج بكين لنفسها كمنارة للاستقرار .

 

قال جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة "جلف ستيت أناليتكس" الاستشارية للمخاطر الجيوسياسية ومقرها واشنطن: "كان أحد أهم (الاتجاهات) هو التصميم المتزايد بين شركاء واشنطن في الخليج على تنويع علاقاتهم خارج الولايات المتحدة من خلال تعميق العلاقات مع الصين وقوى أخرى، وبالتالي تقليل اعتمادهم على واشنطن".

 

وأضاف: "على الرغم من أن هذا التوجه قائم منذ سنوات عديدة، إلا أن الأزمة الحالية تُسرّع وتيرته. وبشكل أعم، أعتقد أن الأزمة ستؤدي على الأرجح إلى نظام إقليمي في الشرق الأوسط يميل أكثر نحو بكين. إن تنامي النفوذ الصيني على حساب الهيمنة الأمريكية يتماشى بشكل وثيق مع المصالح الجيوسياسية الإيرانية الراسخة".

 

ولطالما استثمرت إيران في توثيق العلاقات مع الصين، وفي الوقت ذاته  شنت حملة لإزالة الوجود العسكري الأمريكي الإقليمي الذي أصبح منذ ذلك الحين ذريعة بدلاً من أن يكون رادعًا للأعمال العدائية ضد الدول المجاورة.

 

وأضاف كافييرو: "في الوقت ذاته، عززت إيران موقفها القديم أمام الحكومات العربية بأن القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها تشكل مصدراً لانعدام الأمن أكثر من كونها ضامنة للاستقرار. وسواء تبنى قادة الخليج هذا الرأي بالكامل أم لا، فقد منح الصراع بلا شك مصداقية أكبر لرواية طهران من وجهة نظر الكثيرين في المنطقة".

 

وأضاف قائلاً: "بالإضافة إلى ذلك، من خلال الاستفادة من الموقع الجغرافي لإيران على مضيق هرمز، فإن الجمهورية الإسلامية في وضع جيد لزيادة نفوذها على دول الخليج العربي وتشكيل ميزان القوى الإقليمي بطرق يمكن أن تستمر لفترة طويلة بعد انحسار الأزمة الحالية في نهاية المطاف".

 

https://www.newsweek.com/how-iran-using-war-us-reshape-middle-east-12282426